قصة ( المهدي المنتظر بخميس الزمامرة ! ! ) الحلقة الاولى

0

قصة ( المهدي المنتظر بخميس الزمامرة ! ! )

بقلم مصطفى الحناوي
الحلقة الاولى
الإنسان السوي لا يقبل أن تكذب عليه نفسه ويقبل الكذب من الناس بشكل طبيعي ! حتى ولو كان كذبا عموميا من فصيلة الإشاعات تصدقه الناس ويصبح عملة رائجة كأنها الحقيقة . . . !! اهل البدو تنتشر بينهم الشائعة كالنار في الهشيم ، هكذا يستحضر الحلاق و بصوت مسموع وعلى وقع مقص الحلاقة بعض الاحداث التي تجري داخل دكانه . . ، كان زبونه يستمع لرنات المقص ولللاشعور الذي يقفز من بواطن التهامي الحلاق ظل يردد ما قاله وهو يتمتم ” الإنسان السوي والمتزن ” لا يقبل ان تكذب عليه نفسه . . . . , واستدرك ثم قال الناس تصدق الشائعات فأهل قريتي اطلقوا شائعة ان بغلة أنجبت جحشا من فصيلة الحمير ! ! ولقد صدقها كل من سمعها إنه الجهل والجهل المركب ! فمتى كانت البغال تنجب ؟؟ ،
هذه هي الحقيقة التي كان يرددها على مسمع الشاب الغريب عن القرية والذي جاء من مدينة الدارالبيضاء لزياة جدته خلال فصل الصيف و بعد نزوله من حافلة النقل التي أقلته هنا بهذه القرية الصغيرة كمحطة لقضاء أغراضه وكان اول شيء فكر فيه حلق شعره ليجد نفسه مطأطئا رأسه مستسلما للحلاق التهامي ، فوجد نفسه مضطرا للحديث معه بعدما دارت في ذهنه أن الحلاق هو من يتحولق حوله الناس وتجده يحكي الحكايات ويحاكي الشخوص التي مرت من تحت أصابعه التي تحكم مقص الحلاقة ، وتاه فكر الزبون شاردا في وضع المقارنة بين ” الحلايقي ” الذي يجمع الناس في شكل دائري ” حلقة ” يحكي لهم الروايات والقصص وتجده يجيد السرد الحكائي في جعل الناس يتحولقون حوله من خلال إستعمال ادوات فنية وتوظيفها كعنصر للتشويق وهذا الحلاق لا فرق بينه وبين ” الحلايقي ” ؛ ! ظلت هذه الأسئلة داخل رأس الزبون تتناسل والحلاق يواصل تقصيص شعره إقتحم الدكان شاب نحيل الجسم يرتدي جلبابا أبيض ، وفي رعيان شبابه شعره الكثيف و الأسود اللون عيناه كحلاوتان ألقى بالتحية ، فرد عليه التهامي الحلاق بالتحية قائلا له : آهلا سي المهدي المنتظر و واصل إسترسال كلامه أنت عمرك طويل ” قبل قليل كنت مسيطرا على دواخلي وبقيت افكر في ما قلت لي البارحة على أنك أنت هو المهدي المنتظر ! ؟ ” ، لقد سمع الزبون هذا الكلام وتيقن ان الحلاق لما كان يتمتم في البداية مع الشروع في عملية قص الشعر انه كان يردد كلاما يبدو انه موجها لهذا الذي يدعي المهدية ولقد حاول التهامي الحلاق إشراك الزبون واقحامه في الموضوع حيث قال ” إسمع لقد قال هذا الشاب انه المهدي المنتظر ! فرد الزبون الغريب لنستمع إليه ويقنعني انه المهدي المنتظر ، بدت حالة الإنفعال والغضب على قسمات وجه الشاب النحيف المدعي للمهدية فرد على الزبون بالقول انه المهدي المنتظر فنظر إليه الزبون محاولا قراءة قسمات وجهه الأشعث ذي اللحية الخفيفة تشبه لحية العنز فرد عليه بالقول بعدما ينهي الحلاق حلاقة شعري سأجالسك على إنفراد لتقنعني أنك المهدي المنتظر ! إذا قبلت بالمناظرة بيني وبينك ما رأيك في هذا الإقتراح ؟ ثم إستطرد في السؤال له ما إسمك الحقيقي السي المهدي فأجابه فأنا إسمي الحقيقي هو احمد ، وبينما الحلاق أنهى حلاقة شعر الزبون ودخل في صمته مباشرة بعدما كان رد المسمى احمد عنيفا في وجه الحلاق التهامي حيث طلق صرخة قوية على وجهه انه المهدي وبدأت أهذاب عينيه ترتعش بخفة تحيل على درجة قوية من الانفعال ، إنتهى التهامي وفرغ من حلاقة الزبون الذي ناوله واجب الحلاقة وأمر المدعي للمهدية بالنهوض فخرجا الإثنين من الدكان ، فسأله احمد عن إسمه فأجابه ، إسمي أسامة إسترسل قائلا جئت في زيارة عند جدتي وهي سيدة عجوز هل تقبل رفقتي لزيارتها ؟
لم يتردد احمد في مرافقة أسامة فتبضعا من السوق كل ما يحتاجونه من تغذية ومواد اساسية ليركبا سيارة اجرة أقلتهما الى الدوار القريب من القرية بحوالي ستة كيلومترات والذي تقطنه السيدة العجوز جدة أسامة التي إستقبلتهما بكل رحابة صدر لما وصلا وطرقا باب بيتها الذي بني من الطين ، فأعدت لهما متكئا على فراش ملتسق بالحصير على الأرض وناولت لك واحد منهما وسادة وإستأذنتهما لاعداد براد من الشاي ، وبينما الجدة تعد الشاي اخرج اسامة علبة سجائر شقراء من نوع مارلبورو فسأل احمد
_ هل تدخن السجائر ؟
اجابه احمد بنعم ، فناوله سيجارة واشعل له الولاعة وبعدما اشعل له السجارة فشربها بنهم وشراهة نفث دخانها الكثيف ، ساعتها أسامة واصل سؤاله كالتالي :
ماذا تشم من رائحة سجارة مارلبوروا ! ؟
رد احمد بالقول لم أشم شيئا إلا رائحة السجارة
أجابه أسامة: ألم تشم رائحة امريكا والإمبريالية ؟
أسامة يبدو شابا ذكيا يحمل فكرا عقلانيا ويمارس المسرح الهاوي ويدرس في الجامعة علم النفس الاجتماعي وفكرة الاقتراب من احمد الذي يزعم أنه المهدي المنتظر هي مجرد فضول وغوص في شخصية هذا الشاب البدوي الاصل والذي ينحدر من قبائل عبدة حيث سأله أسامة من اجل معرفة بواطنه والوقوف على حالته النفسية، والاجتماعية ، وهذا هو السبب الذي جعله ان يطلب مرافقته عند جدته للاستماع إليه والوقوف على هواجسه ومخياله والإستمتاع بهذه الشخصية الفريدة من نوعها التي يبدو انها تحمل مفارقات غريبة تثير الفضول، وبينما الجدة أحضرت الشاي وخبز الشعير مع إناء من طين مملوء بالسمن فقالت لهما تفضلا ، رد احمد على اسامة انه سيكتفي بشرب الشاي وأكل خبز الشعير وحده دون أن يحشو بداخله السمن مرددا انه لا يأكل كل ما تخرج منه الروح ، وبدأ يصف ويعد المأكولات اللحومية من بقر ، ودجاج، وبيض، وكل ما له ارتباط بالروح مدعيا أن البطنة تذهب الفطنة ، وعلى الانسان أن يرتقي إلى مصاف الملائكة بالقضاء على غرائزه الحيوانية فحسب العارفين بالله من عباده الاولياء أن النفس تسمو عند التخلي على اكل كل ما تخرج منه الروح ! ! حتى لا يتأثر بسلوك الحيوانات فتعرج نفسه الى مستوى البهائم ، والدواجن ! !
وشرع يتحدث على انه هو المهدي المنتظر ولقد راى رؤى منامية تؤكد ذلك !! فإستفسره اسامة مطالبا إياه أن يوضح له ما هي قاعدته ومرجعيته كونه المهدي المنتظر ، بدأ احمد في الحكي ان له أحاديث يستند إليها وهي عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قال ” المهدي مني ومن عثرتي فإسمه يواطئ إسمي وأنا إسمي احمد والرسول إسمه محمد ، واسم أمه يواطئ إسم فاطمة الزهراء ، وامي رحمة الله عليها إسمها فاطمة ، وبينما هو يحكي وأسامة يصغي بكل إمعان وإهتمام موهما إياه من خلال حركات رأسه التي تدل على الاهتمام بما يقول مع النظر في عينيه بعمق حاد ، لحظتها نهض احمد من مكانه وبدأ يجسد حركة عبر عنها بالمشي تظهر رجله أنها ناقصة كالأعرج حيث قال أن من علامات المهدي له رجل عرجاء ، والغريب العجيب لما كانا في السوق وهما يتبضعا لم تكن تظهر لأسامة أن احمد إحدى رجليه عرجاء ، لكنه لما نظر إليه وهو يمشي امام عينيه أنه أعرج فقهقه اسامة ملأ شذقيه حتى إرتمى على ظهره من كثرة الضحك ، ! فإغرورقت عيناه فسأله مرة آخرى
– هل لك من إضافة لإقناعي بأنك المهدي المنتظر ؟
فرد احمد قائلا : هناك حديث إيراني يقول أن المهدي من ( كندة ) وهي عبارة فارسية تعني بالعربية عبدة ! وأنا من اصول عبدة
لم يتمالك أسامة نفسه من كثرة القهقهة والضحك حتى لم يعد يقدر على التحكم في نفسه فعانق احمد مجاملة على أنه إنسان عجيب ! ، ولقد كان أسامة يدرك في العمق أن هذا الشاب يعاني من صدمات وهزات نفسية تجلت في ملامحه ومن خلال عينيه اللتان ترتعشان وهو يتحدث دون ان يستطيع التحكم فيهما ، أعدت الجدة العشاء وتناولوه جميعا ليتسامرا هما الاثنين وحدهما بعدما خلدت الجدة للنوم بغرفتها لوحدها ، فإستطرد احمد حكيه أنه خرج من الدوار بعدما ماتت أمه وهو في سن السابعة عشرة كان حظه في التعليم الأولي عند فقيه المسجد تعلم ابجديات الكتابة والقراءة ولم يتعدى مستواه الشهادة الإبتدائية ونظرا لكون والده عبدالله يشتغل في الفلاحة خماسا عند احد الاقطاعيين الكبار طالب إبنه احمد ان بشتغل في الرعي فلم يستسيغ طلب والده الذي وضعه أمام خيارين إثنين إما الإشتغال في الرعي مع الإقطاعي وإما أن يرحل إلى وجهة آخرى تاركا الدوار ! ، شرد تفكير أحمد بعدما شعر أن والده يريد لفظه والتخلص منه وخاصة أن زوجته كانت في بداية حملها تشعر بالوحم وكلما إلتقت عيناها بربيبها كانت تبسق في وجهه وتحرض عليه والده من أجل التخلي عليه وذلك بطرده من البيت ، لم يبقى أمام احمد إلا الرحيل من بيت والده فكان تفكيره يسيح به نحو الخروج من البيت والبحث عن الوسيلة التي ستمكنه من هجرة الدوار فإستقر تفكيره على سرقة دجاجتين حاضنتين لبيضهما والذهاب بهما باكرا الى سوق الدجاج قصد بيعهما لضمان ثمن الركوب في حافلة صوب مدينة اكادير ، لم يكن لأحمد خيارا آخر إلا السرقة فلم تغمض عيناه وهو على سرير النوم داخل غرفة بنيت من طين يتحسس طلوع الفجر ، وبعد سماعه للآذان إنقض على دجاجتين من عنقهما في محاولة لخنقهما حتى لا يسمعا والده وزوجه صوت الدجاجتين اللتين آخذهما غصبا على بيضهما ليضعهما في كيس ويحمل حقيبته على كتفيه فخرج للتو من الدوار إلى وجهة السوق الاسبوعي ( جمعة سحايم ) وبعد وصوله إلى باب السوق سأله أحد باعة الدجاج عن ثمن الدجاجتين إن كانتا للبيع ، لم يتردد احمد في بيعهما له بالثمن الذي يراه المشتري مناسبا فناوله سبعون درهما كانت بالنسبة له كافية لثمن التذكرة الخاصة بالسفر ، فولج إحدى المقاهي القريبة من السوق لتناول فطوره والإستعداد للسفر كانت الساعة تشير الى السادسة ونصف صباحا بدأ أحمد يشجع نفسه في الاعتماد عليها بالخروج الى الحياة والبحث عن عمل يضمن له الاستقرار والاستقلال الذاتي عن والده ، وبينما تحدوه الرغبة الجامحة في القطع مع الدوار واهله ولن يعود ابدا حتى تتحقق ذاته ويكون معه المال الوفير ، نهض من مقعده متوجها إلى الطريق الرئيسة وهو يحمل حقيبته على كتفيه اطلق عينيه فإذا بالحافلة تظهر له على مسافة بعيدة إستعد لتوقيفها ولما وصلت اشار لها بسبابته لتقف امامه فصعد بعدما فتح له بابها ليستلقي في مقعد الآخير للحافلة بعدما ادى ثمن التذكرة ليغرق في نوم عميق لم يستفيق منه إلا بعد وصول الحافلة الى محطة اكادير كانت الساعة قد وصلت الثانية عشرة زوالا .

اترك رد