جدلية الموت والحياة في ديوان في “طعنات في ظهر الهواء” 

0

جدلية الموت والحياة في ديوان في “طعنات في ظهر الهواء” 

 

يستوقفنا في عنوان الديوان مصطلحان :     ** مصطلح طعنات أو طعنات، المشتق من فعل طعن يطعن طعنا وطعنة. وطعنه برمح  وخزه به،  وطعن في السن إذا شاخ وهرم. وطعن في حكم القاضي إذا انتقده واستأنف الحكم. وطعن في شرفه إذا قذفه في عرضه ونال منه. وطعن العدو أصابه في المقتل. وطعنه في الظهر إذا قتله غدرا، أو قال فيه كلاما بقصد إذايته نما أو اغتيابا. . والطعن كما يكون بالسيف يكون باللسان كما في قول المثل : “القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر”. أماطعنة الموت فتعني تسليم الروح إلى باريها. وطعنات في ظهر الهواء، إنما هو تعبير مجازي عن طعنات مؤذية في الظهر ، كما تدلل على ذلك مقصدية العنوان.

** أمامصطلح في ظهر الهواء:
فيقصد به الغلاف الجوي، بما يصدر عنه من  أنواع التلوث وأشدها تدميرا للبيئة وللفضاء الخارجي، حيث يتسبب هذا النوع من الطعن في الاحتباس الحراري، بإحداث ثقب في طبقة الأوزون. تماما كما حدث ويحدث اليوم من طعنات في الهواء، وما ينجم عنها من انعكاسات سلبية على البيئة والإنسان.
انطلاقا من هذا الفرش، نكون أمام مجموعتين أساسيتين من الطعنات: طعنات ظاهرة التلوث ( طعنات في الهواء)وطعنات الموت، التي ضاق الشاعر درعا منها، فاكتوى بلظاظاتها، بعد فاجعة اختطاف  “أريج”، منبع خلود الشاعر وعنوان استمراريته. يذكي هذا المنحى روي القصائد الساكن أحيانا والممتد أخرى، انسجاما مع انفعالات  الشاعر النفسي، المتراوحة أصواتها بين الهدوء والاضطراب، بين الحزن والفرح.

كما تسوقفنا في عنوان الديوان :”طعنات في ظهر الهواء”، بعد وليس قبل قراءة قصائده، ثلاث أضرب من الطعنات :
أ – ضرب طعنات في الهواء، المرتبط بظاهرة التلوث بأنواعه./ ثنائية الموت والحياة. وتمثلها قصيدة “طعنات سحيقة”.
ب – ضرب طعنات رحلة الموت إلى الكويت (ص: 5)، في علاقتها بسؤال تحرير فلسطين، التي تعد   جوهر رواية “رجال في الشمس”، المؤسسة على ثلاثية الموت/ الحياة/ الحرية.
ج – وضرب تمثله طعنات رحيل أريج. من خلال قصيدة ” عودي أريج” حيث تتجدد ثنائية الموت  والحياة.
د – وضرب أخير تشكله طعنات أسلحة قتلة أبناء  الوطن. حيث تمثل قصيدة “لن توقفوا ناركم”
(ص: 24-25)، ثلاثية الموت والحياة والحرية، جوهر هذا النوع من الطعنات.
لتبقى جدلية هذه الثلاثية  آخذة برقاب المطعونين، حتى إشعار آخر.
تقودنا هذه  الطروحات النقدية إلى الحديث  عن فلسفة الموت، التي تتناسل أسئلتها دون توقف، ومنها ما يستحضر في الجانب الديني من أن الموت، حاجز بين حياتين: حياة مؤقتة فانية، وحياة دائمة سرمدية. لتبقى معرفة أسباب الموت ومسبباته، أمرا عسير الفهم.

عتبة الإهداء/ فاتحة الديوان:

في إطار الوقوف على بعض مقتضيات الموت، الناجم عن الطعنات، يستهل الشاعر ديوانه بإهداء، هو عبارة عن رسالة مرثية، موجهة : “إلى أريج”، مدونة بصفحة مجهولة العنوان، تليها في ص:5، قصيدة تدور رحاها حول قدر الموت، يمثله صوتان مستنجدان :
-صوت أحد أبطال رواية: “رجال في الشمس”، الذي يستعجل النجدة، لولا عائق “لو”، التي حالت دون تحقيق أمل المهربين في الوصول إلى جنة الكويت، قبل أن يلقوا مصيرهم المحتوم :
لو طرقت الخزان
يا غسان
مائة عام
لما سمعني أحد
– وصوت غائر مجروح، مثقل بالأحمال والأزمات، يرجو التخفيف من لوعة الموت، بعد اختطاف      ” أريج” في رحلة إلى دار البقاء، مخلفة عيونا دامعة، وجروحا مندملة، ونفسية فائرة بلوعة الحزن والانحباس الفكري، حتى استحالة البوح بما ينتاب الشاعر من مظاهر الحسرة والأسى :
رحلت أريج
انطفأ قلبي
غار الجرح في جرحي
انغلقت سمائي
*******
استحال بوحي
هذا الاختطاف المفاجئ الذي سوف تتحول الكتابة بموجبه من الكتابة بالمداد إلى الكتابة بالدم، وتنكأ جروح الشاعر فينزف ، وتذرف عيناه دموعا سخية ساخنة، تفيض بها نفسه كمدا وانكسارا.لتستمر طاحونة الموت في ملاحقة الشاعر والناس أجمعين على امتداد زمن الولادة والحلم.
هذا وقد عبر الفلاسفة والشعراء في الغرب، كما في الشرق، عن مفعول صعقة  الموت وفجائيتها، والتبعات التي ما بعدها، كما فعل هيكل وجان بول سارتر، وقبلهما بكثير، ما نصت عليه  الإلياذة والأوديسة، وملحمة جالجاميش، وحكايات
ألف ليلة وليلة وغيرها.. أما في مجال الشعر، فسنكتفي بالإشارة إلى نموذج نرى فيها، قمة  التعبير عن صدق المشاعر الإنسانية إزاء لوعة الموت وحرقة الفقدان. يتعلق الأمر بالشاعرة الخنساء، والشاعر ابن الرومي.
تقول الخنساء في وفاة أخيها صخر :
قذى بعينك أم بالعين عوار
أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
تبكي خناس على صخر وحق لها
إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار

ويقول ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركما عندي
ألا قاتل الله المنايا ورميها
من الناس حبات القلوب على عمد
لقد قل بين المهد واللحد لبثه
فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
********
طواه الردى عني فأضحى مزاره
بعيدا على قرب قريبا على بعد
وظل على الأيدي تساقط نفسه
ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
ينضاف إليهما زهير قائلا في حكمه:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
والمعري في شعر حكمي تأملي :
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب
فأين القبور من عهد عاد
رب لحد قد صار لحدا مرارا
ضاحك من تزاحم الأضداد

أما الروائي الجزائري واسيني الأعرج فيتحدث  عن علاقة الأدب بالموت قائلا : إن أعظم حرب ضد الموت هي أنك تكتب عن الأدب الموت، فتروض الموت من خلال النص الأبي( في حوار مع الكاتب. حول أعظم حرب ضد الموت .مجلة ثقافات.7 نونبر. 2018)

وبالانتقال إلى قصائد ديوان: “طعنات في ظهر الهواء”، للشاعر محمد بلمو، تبتدئ رائحة الموت في الانتشار منذ عتبة العنوان، توازيها رغبة ملحة في الإقبال على الحياة بإشراقاتها ولذاذاتها. ولتبيان أبعاد هذه المفارقة ونتائجها، يلزم استحضار ألفاظ الموت والحياة ودوائرهما كالتالي :
روح ، رحلت، حروف سقطت، قبرا ، أزيز القتل، يغتال، ناركم، القنابل، أشلائها، الدماء، قتلاكم، سلحه، جحافل، جيوش، طلقات القتل، ناركم،فقدان، سرير مشفى، تموت، ارحل،
حرائق، طعنات، الغدر، روحك، تدحر، عودي أريج، أريج ،مشفى، السيروم والأنين، لغما حزاما ناسفا، أريج البعيدة، أريج البعيدة، الألم، دم، شهيد، أريج البعيدة البعيدة، البنج والليزر، أريج، أريج، الثكلى، أريج، يقتلني، أريج، أريج، عودي أريج عودي، نموت، ألمي، الموت، أرثيك يا وطني، ثكلتك، سكاكينهم، الضربات، القتلى، ثكلى، نزيف، أعدموا، الألم، السلاح، كي تموتوا، جثث، جثث، جثث، جثث، جثث، كي تموت، “الأمل لا يموت”، الأمل، الأمل، الأمل،الأمل، الأمل، الحروب، الغروب، الأمل، الأمل، الأطفال، الأبطال، الأمل، الأمل، تنسفه الجيوش، الأمل، الظلام، الوحوش، الأمل، الأمل لا يموت، أريج، أوكسجين، ينفد سني، أريج، انطفأت شموعي، أحزاني، أريج، أريج، ، أموت، المقبرة، أدفنني، يؤبنني، روحي، جثتي، أموت، أحفر، قبري، لعبة الحرب، عندما أموت، مشيعين، أموت، أنوت، نيران المدافع، الحروب، عاد الرصاص، المقبرة، الأوكسجين، لا أموت. ليصل مجموع تعداد ألفاظ الموت ودوائرها إلى 102 تمثل منها “أريج” 60 لفظة. قبل أن تطالعنا الشاعر في قصيدة “الأمل لا يموت” بنبرة تفاؤلية، مقرا فيها بجدوى الحياة  لينقلنا من عالم الطعنات والأموات إلى عالم الانبعاث والإحياء، حيث انفتاح ابواب الأمل، والإقبال على الحياة والأطفال والأبطال، والتطلع إلى عودة “أريج”،  حين :
تزهر الأشجار
بأصابع النساء ( الديوان ص:55)
يشعله الأطفال( الديوان ص: 56)
في تزامن مع انتفاء موت الأمل كما توضحه اللاءات التالية:

الأمل
لا
يموت
أبدا
لا
يموت.( الديوان ص:57  )
وما دامت الآمال قائمة، فإن عودة “أريج” ، يبقى أمرا ممكن التحقق ولو على مستوى التخييل. يقول الشاعر:
أنا لازلت أنتظر قدومك
لدياري الهالكة
إنه  التنبؤ بظهور أريجات بديلات تعوض الشاعر فقيدته، وتخفف عنه مصابه، أوبعضا من مآسيه، فيستعيد أزمنته الجميلة، بشكل يحفظ حياته وحياة المطعونين، ويضمن حرية المقهورين والمستعبدين.

  فليس غريبا أن تتحقق هذه النبوءة ما دام الشاعر قد استبق الحديث عن عالم جميل مرتقب، بمشهدين سخر فيهما، من عتمة الأحزان وصنوف مكاره الموت. إذ يقول :
*   كأنني أضحك ملء الأرض
من جنون القبل(ص: 22)
*     وأنا الآن عار تماما
أضحك في وجه الحزن المر
أقاوم أمواج الحلل( ص: 21)
*****
لست في حاجة إلى حفار(القبور)
ولا مسرحيات عزاء( المقدمة ص10)
فما كان الشاعر ليختط معالم عالم الحياة والحرية لولا اعتماده الكتابة، من جهة، ليستمر في قلقلة الأرض الوصية، باليد كما تعلم. وليحقق الغلبة من جهة أخرى،في مواجهة الموت بطرق جمالية ماتعة.
يقول الروائي الجزائري واسيني الأعرج في مخالبة الكتابة الموت :” إن أعظم حرب ضد الموت هي أن نكتب عن الأدب الموت، فنروض الموت من خلال النص الأدبي”( من حوار  أجري مع الكاتب واسيني الأعرج. مجلة ثقافات)
إن أهمية ديوان” الطعنات”، لا تكمن فقط في  كونه نصا أدبيا زاخرا بتجليات جمالية النص الأدبي، بل في كونه خطابا، يجمع بين الرسائل العلمية والاجتماعية والإنسانية.

بهذه المقاربة، لا ندعي الإحاطة بديوان “طعنات في ظهر الهواء”، بل يحتاج الأمر إلى قراءات وتلقيات متلاحقة، علها تكشف عن أبعاد نصوص الديوان الدلالية والجمالية مما يضفي على هذا العمل مزيدا من القيمة والتشويق.

          د. عمرو كناوي

    قدمنا هذه المقاربة بمناسبة توقيع ديوان: “طعنات في ظهر الهواء” للشاعر محمد بلمو.
وذلك يوم : 2022/01/22
برحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى والتراث. بمكناس.

اترك رد