الغريب المضطهد – من واقع الحال بقلم : مصطفى حناوي

0

( الغريب المضطهد )

كعادتي في كل صباح أحتسي قهوتي بمقهى بجوار مسكني الذي أقطنه بمدينة الدارالبيضاء وحدث ذات مرة أن جلس بجانبي رجلا خمسينيا يرتدي معطفا باليا وحذاءا ممزقا تكاد قدماه الذابلتين والكبيرتين أن تخرجا من حذاءه ، طويل القامة مليح الحواجب ، كثيف اللحية ، منفوش الشعر ، عريض الكتفين ، كانت تظهر على وجهه علامة البؤس والشقاء ويبدو غريبا ، وكان كلما حل بالمقهى يجلس في إحدى أركانها الأربعة يطلب من النادل قهوته ويركن في وحدته ينفث السجائر ويحتسي بنه وكنت أسرق النظر إليه في محاولة لقراءة ملامح وجهه المتجهم والكثيف اللحية ولقد أثارني منظر أظافر أصابعه البشعة كالنسر ولقد دفعني فضولي إلى التطفل عليه وهو يمسك قلما و ورقة بيضاء وبدأ يرسم قارورة كبيرة فجسم بداخلها رسما لإنسان وكتب على القارورة ( تخرج نذبح دين أمك ! ! ) حاولت تكسير الجدار بيني وبينه بمداعبته قائلا يبدو أنك رسام ماهر ؟
فأجاب قائلا : ” أنا مهندس معماري كنت أعمل بدولة ليبيا ولقد أفنيت زهرة شبابي هناك وطال بي المقام هناك ولما عدت الى الوطن وجدت والدتي ووالدي قد فارقا الحياة وكل من إخوتي تآمروا علي حتى لا أستفيذ من الإرث كما أنني تعرضت لمحاولة تسمم بعدما تناولت طعامهم مما أفقدني توازني فأخذوني الى المارستان للعلاج وإختلاق حجة أنني مريض عقليا ليستولوا على حقوقي الشرعية في الإرث ” ، وبينما هو يستحضر الأحداث والوقائع في أدق تفاصيلها إنتابته نوبة هذيان وبدأ يحاور المجسم البشري الذي رسمه داخل القارورة وصرخ بصوت عال ” تخرج نذبح دين أمك ” لحظتها جاء النادل وأخذه من معطفه وهو مستلق على كرسي فسقط على الأرض لكنه لما أعاد توازنه جحظ عينيه وقطب وجهه وهو يصرخ في وجه النادل قائلا له أنت ” أنت تحتقرني ” ولا تعرفني من أكون أنا سيد الرجال الذي خذلته الظروف وأشباهك يا من تعبدون المال بدل الله ” فأخرج من جيب معطفه رزمة من الأوراق النقدية بارزا إياها أمام أعين النادل وهو يصرخ ” تعبدون الأوراق المالية هاهي عندي ولن أتناول قهوتي عندكم مرة آخرى ”
فإنصرف الى حال سبيله مهرولا دون أداء واجب قهوته التي إحتساها . . . ، وفي اليوم الموالي وجدته متسمرا على حائط الزقاق يسضيء بضوء عمود النور الذي أقطن بجواره وكان الليل يرخي سدوله فإستوقفني بعدما أديت له التحية فسألني هل تقطن بهذا الزقاق ؟ قلت له نعم وهل تحتاج شيئا من الطعام أحضره لك ؟ فأومأ برأسه ففهمت الإشارة فأعددت له العشاء وتسامرت معه بالزقاق وكان الموسم صيفا ، ولقد كنت أجيد الإنصات إليه محاولا الغوص في أعماق نفسيته المثقلة بالجروح التي لا تندمل بسبب إخوته الذين مارسوا عليه الإقصاء والتهميش من خلال الدسائس والمؤامرات التي حاكوها ضده جراء الجشع والطمع .

– من واقع الحال بقلم : مصطفى حناوي

اترك رد