أسفي.. ذاكرة ثقافية تغتالها التعرية الساحلية

0
بواسطة يونس واصيف
لا يمكن لزائر كورنيش جرف آموني لمدينة أسفي، إلا أن يلحظ الانهيارات الكثلية الصخرية، التي لطالما تسببت في خسائر في الأرواح لبعض مرتاديه، بين الفينة والأخرى، وأدت لتراجع الشريط الساحلي بفعل تنامي وثيرة التعرية، واحتدادها بشكل لافت وغير مسبوق، في ظل غياب أي خطة لتدخل الجهات المعنية من اجل معالجة الوضع، هذا التراجع لخط الساحل مرده إلى عوامل طبيعية وبشرية، بحيث يمكن إجمال الأولى، في التأثير الميكانيكي، والكيميائي لأمواج البحر، الذي يعمل عبر قوة الاصطدام، وعمليات الإذابة على تفتيت، وتحليل مكونات الطبقات الصخرية للأجراف، التي تتسم أساسا بالهشاشة، نظرا لاحتوائها في تركيبها الجيولوجي، على الصلصال والطين، اللذين لهما حساسية شديدة تجاه الماء، حيث يؤدي إزالتهما بفعل هذه التعرية، إلى فقدان الطبقات الجيولوجية الأخرى، التي يدخل في تكوينها الكلس المقاوم نسبيا للماء، لتوازنها واستقرارها، وبالتالي حدوث تصدعات وشقوق ممتدة وعميقة، على مستوى هذه الطبقات تمهد في النهاية لانهيارها، وتراكمها عند مقدمة الأجراف، لتغمرها مياه البحر، ويساهم فتاتها في زيادة عدوانية هذه الأخيرة، وقدرتها على حفر أساسات الأجراف، أما العوامل الثانية لتراجع ساحل أسفي، فهي مرتبطة أساسا بالأنشطة الاقتصادية وتجهيزاتها المتركزة على طول الواجهة البحرية، و تتعلق بتأثير المرور المتكرر لقطار الشحن، الذي يربط الميناء التجاري بميناء الصناعات الكيماوية الواقع جنوب المدينة، و يترواح بين 12 إلى 20 مرة في اليوم، متسببا في هزات وموجات ارتدادية، تخل باستقرار الطبقات الجيولوجية لهذه الأجراف، وتجعلها في حالة ارتجاف مستمرة، وناهيك عن التداعيات السوسيو-اقتصادية للوضعية المختلة لهذا الساحل، والتي تتجلى في إفراغ حي التراب الصيني، من ساكنته بعد التهديدات التي أضحت تحدق بالمنازل، التي هدم عدد كبير منها، بعدما أضحت آيلة للانهيار بفعل التقادم، و ارتفاع نشاط الرطوبة، على اعتبار إشرافها على الواجهة البحرية، إضافة إلى عامل عدم استقرار الركيزة الصخرية للحي، بفعل العوامل السابقة، التي ساهمت في ظهور التصدعات، والشقوق فيها، والانعكاسات الإنسانية السلبية من جراء هذا الإخلاء، المتمثلة في توطين الساكنة، في منطقة حديثة التهيئة، والتجهيز، هي الحي المحمدي الواقع في الجنوب الشرقي للمدينة، والذي سيحمل الساكنة المحدودة الدخل تكاليف تنقل زائدة، على اعتبار أن غالبيتها تعتاش من الأنشطة المرتبطة بالمدينة القديمة ومحيطها ، كالميناء، حي الخزف أو المرافق التجارية والخدمية داخل هذه المنطقة. وإضافة إلى هذه التداعيات نلاحظ أن المعالم الثقافية، الواقعة على مستوى هذه الأجراف، والتي كانت إلى وقت قريب، شاهدة على التلاقح، والاحتكاك بين المدينة، والحضارات الأجنبية، منذ عهود تاريخية غابرة، وساهمت في رسم ملامح الهوية والشخصية الإقليمية الخاصة المتفردة للمدينة، وعلى النشاط الاقتصادي البحري، الذي احتلت فيه المدينة موقع الصدارة لحقب زمنية مختلفة، ومنحها إشعاعا محليا دوليا، قد أضحت مهددة بالزوال، والانقراض من جراء الدينامية السريعة للساحل الجرفي، الذي تآكلت منه أجزاء كبيرة على مر الزمن، والتي يقابلها غياب تام لأي تدخل يتغيا الحد والتقليص من وثيرة هذه الدينامية، كذلك الذي يوجه للحفاظ على تجهيزات الأنشطة الاقتصادية، مثل وسائل الحماية البحرية للميناء التجاري، التي تطالها صيانة وتتبع مستمرين لسلامتها، ومن بين المنشات الثقافية التي أضحت مهددة بالانهيار في أي لحظة، والتي ظلت شاهدة على التواجد البرتغالي في المدينة الذي لم يعمر طويلا بحيث استمر33 سنة فقط ، نجد معلمة قصر (أو حصن البحر) الذي انتهت أشغاله سنة 1508، ولعب أدوارا دفاعية عسكرية، وتجارية مهمة، وانهارت منه أجزاء كبيرة، و لاتزال، كالبرج الذي سقط في احد ليالي سنة 2010، بعد انهيار قاعدته الصخرية، المعرضة مباشرة لأمواج البحر القوية، وضريح وزاوية الولي الصالح أبي محمد صالح التي ظهرت بها تصدعات خطيرة، وقد كان الشيخ تولى تامين سفر الحجاج من المغرب إلى مكة، بعدما أفتى العلماء بسقوط فريضة الحج نظرا لغياب الامن الذي هدد سلامة الحجاج وحف طريقهم إلى البقاع المقدسة خلال فترة الحكم الموحدي التي عاصرها الشيخ، هاتين المعلمتين التاريخيتين، تقعان فوق ركيزة صخرية تكونت فيها وتوسعت على مر الزمن مغارات، تخترقها مياه البحر، ما اثر على توازنهما واستقرارهما.
الوضع المأساوي لمعالم الثقافة المادية، الواقعة في المنطقة المذكورة آنفا، يطرح عدة تساؤلات على مختلف الفاعلين، والجهات المعنية بصيانة، والمحافظة على الموروث الثقافي، وإعداد التراب، على الصعيد المحلي والوطني، حول موقع ومكانة عناصر بنية الذاكرة الثقافية في المخططات ،البرامج والمشاريع الترابية التنموية ، لأنه وكما يبدو بأنها ومن خلال الاستقراء والمعاينة الميدانية ، التي مكنت من الوقوف على مظاهر الإهمال التي طالت هذه المعالم المهددة بالاندثار، الذي حذرت منه صرخات أصوات، منابر مختلفة، تدخل في إطار منظمات المجتمع المدني، ودراسات و بحوث ميدانية، اقترحت حلولا واقعية و فعالة، في متناول الإمكانات المحلية حتى، لا محل لها من الإعراب التنموي الترابي والمجالي في قاموس تلك الجهات.

رباط الشيخ أبي محمد صالح

-فؤاد غفران.

اترك رد