الإثنين , يوليو 13 2020
أخبار عاجلة
الرئيسية / إقتصاد / “التكييف القانوني لإصابة الأجراء بفيروس كورونا ما بين المرض المهني و حادثة شغل”

“التكييف القانوني لإصابة الأجراء بفيروس كورونا ما بين المرض المهني و حادثة شغل”

 

بقلم الدّكتورة أمينة رضوان

باحثة في العلوم القانونية

  يعتبر فيروس كورونا كوفيد-19 حسب منظمة الصحة العالمية مرض معد يسببه آخر فيروس تم اكتشافه من سلالة فيروسات كورونا. ولم يكن هناك أي علم بوجوده قبل بدء تفشيه في مدينة ووهان الصينية في دجنبر 2019. وقد تحوّل كوفيد-19 إلى جائحة تؤثر على العديد من بلدان العالم. وفيروسات كورونا هي سلالة واسعة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان. ومن المعروف أن عدداً من فيروسات كورونا تسبب لدى البشر أمراض تنفسية تتراوح حدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس). ويسبب فيروس كورونا المكتشف مؤخرا مرض كوفيد-19 (1)

 وقد أثر انتشار فيروس كورونا كوفيد 19 على جميع القطاعات بما فيها قطاع الشغل الذي فضّل مجموعة من المشغلين إغلاق مؤسساتهم الشغليه أو فصل عمّالهم أو إعطائهم عطلة غير مدفوعة الأجر، و بالمقابل استمر بعض المشغلين في عملهم،  و هو  ما يحتم عليهم التزام تدابير حفظ الصحة و السلامة المهنية داخل المقاولة لتفادي تفشّي عدوى الفيروس القاتل داخل مقاولاتهم، إلا أن خطر الفيروس يبقى محتملا و قد يصيب العمال في أية لحظة. لهذا نتساءل عن حدود تعويض الأجراء في مثل هذه الأحوال ، و كيف يمكن تكييف الاصابة بفيروس كورونا كوفيد 19 في مثل هذه الحالات،  ذلك ما سنحاول مقاربته من خلال مطلبين كالآتي:

المطلب الأول: مدى اعتبار الاصابة بفيروس كورونا من طرف الأجراء حادثة شغل.

المطلب الثاني: مدى اعتبار الاصابة بفيروس كورونا من طرف الأجراء مرضا مهنيا.

 

 

 

المطلب الأول

مدى اعتبار الاصابة بفيروس كورونا من طرف الأجراء حادثة شغل

كان من الضروري أن يسنّ المشرع في مجموع أقطار العالم تشريعات تهدف إلى حماية العمال من الأخطار التي قد تصيبهم أثناء مزولتهم للشغل أو بمناسبته ، و هو ما غذا مطلبا ملحا مع دخول الآلة مجال الشغل و التشغيل، و لأجله بادرت جلّ التشريعات إلى سن قوانين لحماية الأجراء من حوادث الشغل، و كان ذلك بالمغرب بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 25 ذي الحجة 1345 الموافق ل 25 يونيو 1927 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل الذي غيّر من حيث الشكل فقط بالظهير الشريف رقم 223/60/1  الصادر بتاريخ 06 فبراير 1963 (2).

فما المقصود بحادثة الشغل؟ و ما هي الشروط المعتد بها حتى يمكننا اعتبار الحادثة حادثة شغل؟

أولا: المقصود بحادثة شغل.

لم يعرف المشرع المغربي حادثة شغل في إطار الظهير الشريف الصادر بتاريخ 06 فبراير 1963 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، و إنما اكتفى بتحديد نطاقها من خلال الفصل الثالث منه الذي جاء فيه: “تعتبر بمثابة حادثة للشغل، كيفما كان سببها، التي تصيب من جراء الشغل أو عند القيام به، كل شخص سواء كان أجيرا أو يعمل بأية صفة كانت و في أي محل كان، إما لحساب مؤاجر واحد أو عدة مؤاجرين، و إما لحساب رؤساء المقاولات المبينة بعده، و لو كان المؤاجر لا يزاول مهنة تدر عليه ربحا، و ذلك حتى و لو كانت هذه الحادثة ناجمة عن حالة قوة قاهرة أو كانت أحوال الشغل قد تسببت في مفعول القوة الطبيعية أو زادت في خطورته، اللهم إلا إذا برهن المؤاجر أو المؤمن على أن المصاب بالحادثة عرضة سهلة للأمراض”

وذهب المشرع الفرنسي إلى أن حادثة الشغل هي “الاصابة التي تحدث بفعل أو بمناسبة العمل لكل أجير، و لكل من يعمل بأية صفة، و في أي مكان، لدى واحد أو اكثر من المشغلين أو رؤساء المؤسسات” (3)  في حين ذهب المشرع المصري إلى أنها “الاصابة نتيجة حادث وقع أثناء تأدية العمل أو بسببه” (4)

وبهذا نقف على أن التشريعات المقارنة اكتفت بوضع معايير عامة على اختلاف فيما بينها سعة أو ضيقا (5) دون التحديد الشامل لمفهوم حادثة شغل.

وعلى مستوى القضاء ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن حادثة الشغل هي “تلك الاصابة الناتجة عن حادث وقع بغتة بفعل قوة خارجية أثناء العمل أو بسببه و مسّ جسم العامل أو أحدث به ضررا” وعرفتها محكمة النقض الفرنسية  أنها “الضرر الذي يصيب جسم الأجير نتيجة فعل عنيف و مفاجئ ناشئ عن سبب خارجي” (6) و هو التعريف الذي ردّده القضاء المغربي مرارا خاصة محكمة الاستئناف بالرباط في العديد من قراراتها القضائية (7)

فما هي الشروط المتطلبة لاعتبار حادثة ما حادثة شغل؟

ثانيا: الشروط المتطلبة في حادثة شغل

للقول بأن الحادثة  تصنّف ضمن حوادث الشغل ، يلزم توفر ثلاثة شروط هي الآتية:

-1/ فعل ضار أصاب جسم الأجير،

– 2/ وقوع الاصابة بغتة،

– 3/ وقوع الاصابة بسبب الشغل أو عند القيام به.

ونشرح كل شرط على حدة:

الشرط الأول: فعل ضار أصاب جسم الأجير.

ومعنى هذا الشرط أن جسم العامل يصاب بضرر سواء أكان ماديا مثل كسر أحد أعضاء جسمه أو بترها، أو معنويا كتعرضه لإهانة من طرف مشغله في مكان العمل سببت له اضطرابات عصيبة.

هذا و يعتبر الفعل الضار بمثابة حادثة شغل حتى و لو لم يعرف سببه إذا وقع في مكان العمل أو بمناسبة القيام به ، و اعتبار الحادثة التي يتضرر منها الأجير بمثابة حادثة شغل هي قرينة تقبل الدحض متى توفر عنصرين متلازمين، أولهما أن الأجير المصاب بحادثة شغل عرضة سهلة للأمراض، و ثانيهما أن وضعيته المرضية هي التي كانت سببا في إصابته. (8)

الشرط الثاني: وقوع الاصابة بغتة.

ومعنى الشرط أن تحصل الاصابة بصفة مباغتة و مفاجئة، وبعبارة أخرى أن يبدأ الفعل الضار و ينتهي في فترة وجيزة من الزمن، و هذا الشرط هو الذي يميز حادثة شغل عن المرض المهني،  ففي هذا الأخير يتراخى الضرر الناجم عنه  و لا يظهر إلا بعد مدة طويلة من الزمن.

الشرط الثالث: وقوع الاصابة بسبب الشغل أو عند القيام به.

إلى جانب الشرطين السابقين، فإنه يشترط كذلك لاعتبار الحادثة حادثة شغل أن تقع الاصابة بسبب الشغل أو بمناسبته، و في هذا تكون السلطة التقديرية الواسعة لقضاة الموضوع.

وبتوافر هذه الشروط مجتمعة فان الحادثة التي يصاب بها الأجير تعتبر حادثة شغل و يتحمل المشغل تبعاتها، و هذا ما قضت به الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض في قرار لها رقم 403 الصادر بتاريخ 02 مارس 2016 في الملف الاجتماعي عدد 1266/5/2/2015، الذي جاء فيه : ” و الثابت من أوراق الملف أن المطلوب اتفق مع موروث الطالبين هو و مجموعة من العمّال على إفراغ شاحنة محملة بالإسمنت و تم نقلهم على متن الشاحنة إلى مكان إفراغ الشاحنة و أنهم قاموا بالعمل المتفق عليه تحت إشراف و تبعية و توجيهات المطلوب، فتكون الحادثة التي حصلت لمورث الطالبين و التي أدت إلى وفاته حصلت بمناسبة العمل و تكتسي صبغة مهنية و مشمولة بمقتضيات ظهير 06/02/1963، و المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لمّا اعتبرت الهالك كان مجرد عرضي، يعمل بشكل مستقل عن رب العمل و لحسابه الخاص و لا وجود للصبغة المهنية بالملف جراء الحادثة التي تعرض لها و رتبت الآثار القانونية على ذلك تكون قد عللت قرارها تعليلا ناقصا يوازي انعدامه ووجب نقضه” (9)

وإذا قاربنا هذه الشروط  و أسقطناها على فيروس كورونا كوفيد 19 نجد أنها غير مجتمعة فيه، على أساس أن الفيروس و إن أصاب جسم الأجير فإنه قد يعجز هذا الأخير عن إثبات وقت و زمن الاصابة به على اعتبار أن أعراض الفيروس لا تظهر إلا بعد مدة من الزمن قد تستهلك الأسبوعين في بعض الحالات، كما أن عنصر المفاجأة و المباغتة غير متوفرة فيه.

وبهذا لا يمكن تكييف الاصابة بفيروس كورونا كوفيد 19 على أنها حادثة شغل. فهل يمكن تكييفه على أنه مرض مهني؟ ذلك ما سنقاربه في المطلب الثاني من هذا البحث.

المطلب الثاني

مدى اعتبار الاصابة بفيروس كورونا من طرف الأجراء مرضا مهنيا

إن ما يعرفه عالم الشغل و التشغيل من مخاطر كثيرة قد تعرض الأجراء نتيجة اشتغالهم في ظروف غير صحية أو في أشغال خطيرة للكثير من الأمراض و الأسقام،  جعل المشرع المغربي يسارع (10)  – شأنه شأن باقي التشريعات المقارنة- إلى إصدار ظهير 31 ماي 1943  (11)  المتعلق بالأمراض المهنية.

و بخلاف تشريعنا الوطني الذي لم يعرف المقصود بالمرض المهني عرفته منظمة العمل الدولية من خلال الفقرة الثالثة من المادة 16 من توصية العمل الدولية رقم 67 لسنة 1944 التي جاء فيها أنه “كل مرض لا يصاب به عادة إلا الأشخاص الذين يعملون في مهن معينة، أو يحدث بسبب المواد المستعملة في مهن معينة، يجب اعتباره بمثابة مرض مهني يستوجب التعويض عنه، و ذلك إذا كان الشخص ممن يعملون في تلك المهن”

وقد عمل المشرع المغربي احتذاء بباقي التشريعات بوضع جداول لتحديد مجموعة من الأمراض المهنية مرفوقة بتحديد الأعمال و المواد المسببة لها و كذا تحديد المدة الزمنية التي يبقى خلالها المشغل مسؤولا عن تعويضها ، و هو ما جاء به الفصل الثاني من ظهير 31 ماي 1943 الذي ينص على أنه “تعتبر كأمراض مهنية حسب معنى نص ظهيرنا الشريف هذا، كل العلل المؤلمة و الأمراض المتسببة عن الجراثيم التعفنية، و كذلك الأمراض المبينة في قرار وزير الشغل و الشؤون الاجتماعية، المتخذ بعد استشارة وزير الصحة العمومية، و يشمل هذا القرار جداول يبين فيها بدقة ووضوح مايلي:

أولا: مظاهر أمراض التسمم الحادة أو المزمنة التي تتجلى في العملة المعرضين عادة لعوامل مواد سامة بسبب إنجاز أشغال تتطلب ممارسة أو استخدام عناصر سامة، يشار في القرار إلى أهمها على سبيل الارشاد،

ثانيا: الأعمال المتسببة عن الجرائم التعفنية، و التي تداهم من يشتغل عادة بالأعمال المبينة في الجدول المشار إليها أعلاه،

ثالثا: الأعمال الناتجة عن الوسط الذي يوجد فيه العامل، أو عن الوضعيات الملزم اتخاذها لإنجاز شغل من الأشغال المبينة بنفس الجداول المذكورة.

وتتضمن هذه الجداول زيادة على ذلك الآجال التي يبقى المؤاجر خلالها مسؤولا ضمن حدود الشروط المنصوص عليها في الفصل الثالث الآتي بعده، و إذا وقع تتميم الجداول المذكورة، أو أعيد النظر فيها، فيجوز لوزير الشغل و الشؤون الاجتماعية أن يبين في قراره الأجل الذي تصبح بعد انقضائه نافذة التغييرات و الزيادات المدخلة على هاته الجداول”

ويشترط في المرض حتى يعتبر مهنيا أن يكون منصوص عليه في القوائم الملحقة بظهير  31 ماي 1943، وأن يعمل الأجير بانتظام في العمل المسبب للمرض المهني، و أن تحترم فيه المدة المنصوص عليها قانونا. و نشرح كل شرط على حدة كالآتي:

الشرط الأول: أن يكون المرض المهني منصوص عليه في القوائم الملحقة بظهير  31 ماي 1943، و ذلك على اعتبار أن الأمراض المنصوص عليها في هذه القوائم مذكورة على سبيل الحصر لا المثال، إذ لا يمكن للأجير التعويض عن أي مرض أصيب به إلا إذا شملته اللوائح المذكورة .

الشرط الثاني: العمل بانتظام في العمل المسبّب للمرض المهني، و معناه أن يثبت العامل أن المرض الذي أصيب به كان بفعل اشتغاله لمدة متصلة في قطاع شغل كان السبب في مرضه، و هذا مما يدخل ضمن السلطة التقديرية لقضاة الموضوع.

الشرط الثالث: أجل المسؤولية

حيث إن المشرع المغربي وضع لكل مرض مهني فترة زمنية لظهوره تسمى “مدة المسؤولية” تبدأ من التاريخ الذي ينهي فيه الأجير شغله، و هذا ما يستشف من الفقرة ب-أولا من الفصل الثاني من ظهير 31 ماي 1943.

وبهذا فإنه لكي تطبق على الأمراض المهنية مقتضيات الظهير أعلاه الصادر بشأن التعويض عن الأضرار الناجمة عن حوادث الشغل فإن تاريخ الشهادة الطبية الملحقة بالتصريح بالمرض المثبتة لوجود هذا المرض يعتبر بمثابة تاريخ حادثة شغل، و إذا توفي العامل من جرّاء مرض مهني قبل التصريح بهذا المرض فإن تاريخ الوفاة يعتبر بمثابة تاريخ حادثة شغل، غير أن المشغل لا يكون مسؤولا سواء غادر العامل تلك المؤسسة أم لا في وقت الاثبات الطبي المنصوص عليه بالفقرة الأولى إلا إذا وقع هذا الاثبات قبل انصرام أجل يسمى أجل المسؤولية، و يبتدئ من اليوم الموالي الذي لم يبق فيه العامل معرّضا للخطر في المؤسسة المذكورة. و في هذا الصدد صدر قرار الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض رقم 773 الصادر بتاريخ 13 شتنبر 2017 في الملف الاجتماعي عدد 1704/5/2/2016 الذي جاء فيه “لكن حيث إن مقتضيات الفصل 3 من ظهير 31/05/1943 تنص على أنه: ‘ لكي تطبق على الأمراض المهنية مقتضيات القوانين التشريعية الصادرة بشأن التعويض عن الأضرار الناجمة عن حوادث الشغل، فإن تاريخ الشهادة الطبية الملحقة بالتصريح بالمرض المثبتة لوجود هذا المرض تعتبر بمثابة تاريخ حادثة شغل، و إذا توفي العامل من جراء مرض مهني قبل التصريح بهذا المرض فإن تاريخ الوفاة يعتبر بمثابة تاريخ حادثة شغل غير أن المشغل لا يكون مسؤولا سواء غادر العامل تلك المؤسسة أم لا في وقت الاثبات الطبي المنصوص عليه بالفقرة الأولى، إلا إذا وقع الاثبات قبل انصرام أجل يسمى أجل المسؤولية و يبتدئ من اليوم الذي لم يبق فيه العامل معرضا للخطر في المؤسسة المذكورة’ و الثابت من الشهادة الطبية الملحقة بالتصريح بالمرض المهني أن تاريخ اصابة الطاعن بمرض الربو هو 04/06/2012 على اعتبار أن هذا التاريخ هو تاريخ الشهادة الطبية المذكورة و أن القانون الواجب التطبيق على النازلة هو قرار وزير التشغيل و الشؤون الاجتماعية رقم 68-100 بتاريخ 20/05/1967 المعدل بالقرار المؤرخ في 23/12/1999 و الذي يحدد أجل مسؤولية المشغلة عن مرض الربو في سنتين من التاريخ الذي أصبح فيه الضحية غير معرض للمرض، و بما أن الطاعن قد فصل من عمله بتاريخ 08/01/2007 حسب البيّن من القرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 02/04/2008 في الملف رقم 3095/07 و أنه باحتساب الفترة الفاصلة ما بين تاريخ فصل الطاعن من عمله 08/01/2007 و تاريخ الاثبات الطبي لمرضه 04/06/2012، يتبين أنها تجاوزت أجل المسؤولية المحددة في سنتين ، و المحكمة المطعون في قرارها لمّا اعتبرت المطلوبة في النقض غير متحملة لتبعات المرض المصاب به الطاعن للعلل المذكورة أعلاه، و رتبت الآثار القانونية على ذلك، تكون قد التزمت التطبيق السليم للقانون و عللت قرارها تعليلا كافيا، و أنه  لا موجب للتمسك من كون تاريخ بداية المرض كان قبل ثماني سنوات حسب الخبرة الطبية الموجودة ضمن أوراق الملف لكون ما ورد بها بهذا الخصوص يخالف مقتضيات الفصل الثالث من الظهير أعلاه و يبقى ما ورد بالوسيلة غير جدير بالاعتبار” (12)

وبمقاربة هذه الشروط على فيروس كورونا كوفيد 19 يتضح لنا أن فيروس كورونا غير منصوص عليه في القوائم الملحقة بظهير  31 ماي 1943 و بالتبعية غير محدد له مدة المسؤولية  الناتجة عن ظهوره،  كما أنه قد يعجز الأجير عن إثبات أنه اشتغل بانتظام في عمل سبب له عدوى وباء كورونا كوفيد 19.

وهنا يصعب تكييف فيروس كورونا كوفيد 19 الذي قد يصاب به الأجير، ما بين كونه يشكل مرضا مهنيا باعتبار أن المشرع في القوائم الملحقة بظهير  31 ماي 1943 حدد مجموعة من الفيروسات يمكن قياس فيروس كورونا كوفيد 19 عليها و اعتباره  بالتالي مرضا مهنيا، و ما بين كونه لا يشكل مرضا مهنيا للعلة نفسها ما دام أن تلك  القوائم الملحقة بظهير  31 ماي 1943 ذكرت الأمراض التي تعتبر مهنية على سبيل الحصر لا المثال، و هو ما لم يترك مجالا لقياس فيروس كورونا كوفيد 19 بفيروس آخر أو مرض من الأمراض المهنية. و في انتظار التدخل التشريعي الحاسم لإنهاء هذه الصعوبة المتعلقة بالتكييف القانوني السليم لمرض كورونا نقول أن الاطار القانوني لحادثة شغل و المرض المهني واحد  و هو ظهير 06 فبراير 1963 الذي يجعل الاصابة بهما خاضعة للتعويض بدون خطأ المشغل. و بخصوص القائمة التي أعدتها منظمة العمل الدولية للأمراض المهنية فإنه  لم يُذكر بعد  مرض كوفيد-19 ضمن الأمراض المهنية، و الكثير من البلدان اعترفت بكون هذه الفصيلة من الفيروسات التاجية تعتبر الاصابة بها بمثابة أمراض مهنية، نذكر من ذلك المعهد الوطني للتأمين ضد حوادث العمل في إيطاليا  الذي أكد أن عدوى الفيروسات التاجية للأطباء والممرضات والموظفين الآخرين في الخدمة الصحية الوطنية وكذلك أي منشأة صحية عامة أو خاصة أخرى تعتبر أمراض مهنية، و أنه سيتم افتراض العلاقة السببية بين العمل والعدوى تلقائيًا لهذه المجموعة من الموظفين من أجل توفير تغطية للحالات التي يكون فيها تحديد الأسباب المحددة وطرق العمل للعدوى أمرا صعبا، كذلك نذكر القائمة الألمانية للأمراض المهنية  التي ذكرت أن حالات العدوى بالفيروس (رقم 3101) من الأمراض المهنية إن كان الشخص يعمل في القطاع الصحي ولكنها لا تعتبر العدوى بالفيروس مرضا مهنيا إن كان الشخص يعمل في قطاع اقتصادي آخر، وفي الاطار نفسه تمنح مجالس تعويض الأجراء الكندية أجراءها التعويضات لدى الإصابة بمرض كوفيد-19 إذا كانت ثمة أدلة طبية بأن الشخص الذي تم تشخيصه بمرض كوفيد-19 قد تعرض لفيروس (SARS-CoV-2) في العمل وإذا تأكد أن الإصابة بالعدوى مرتبطة بالعمل، وأيضا نذكر ما هو مقرر في دولة جنوب أفريقيا، التي تعترف بفيروس  (SARS-CoV-19)  كمرض يصاب به المرء في مكان العمل إذا كان نتيجة للتعرض المهني، وهذا ما يحدث في بيئة العمل عالية الخطورة أو خلال مهمة عمل رسمية معتمدة يقوم بها المرء في مناطق أو بلدان شديدة الخطورة بحيث يجب أن يتواجد تتابع زمني بين التعرض للعدوى في مكان العمل وظهور أعراض مرض كوفيد-19. (13)

بقي أن نشير إلى أنه في جميع الأحوال فإن الأجير المصاب بفيروس كورونا يمكنه خارج نطاق  التعويض  في إطار حادثة شغل أو مرض مهني، أن يعوض في إطار نظام الضمان الاجتماعي المؤرخ في 27 يوليوز 1972 متى كيّف فيروس كورونا كوفيد 19 على أنه مرض عادي،  بحيث يستوجب على العامل المصاب أن يقدم طلبه للحصول على التعويص عن المرض إلى الصّندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفق ما هو محدد في المواد 32 و 33 و 34 من قانون الضمان الاجتماعي. كما يمكنه كذلك الحصول على التعويض في إطار القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية في إطار قانون الالتزامات والعقود، سواء بإثارة المسؤولية الشخصية للمشغل عن أخطائه المتسببة في ذلك أو بإثارة مسؤوليته باعتباره متبوعا مسؤولا عن أخطاء تابعيه متى ثبت أن أحد أجراء المقاولة أو المؤسسة الشغلية كان سببا في نقل العدوى إلى الأجير المصاب أثناء عمله وتحت رقابة المشغل، أو باعتباره حارسا للمعدات والآلات اللازمة التي يستعملها الأجير للقيام بعمله والتي كانت سببا في نقل العدوى إلى الأجير بناء على قواعد مسؤولية حارس الأشياء عن الأضرار التي تسببها للغير. (14)

 

الهوامش

(1) https://www.who.int/ar/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019/advice-for-public/q-a-coronaviruses

(2) منشور بالجريدة الرسمية ع 2629 بتاريخ 15 مارس 1963

(3) الفقرة الأولى من المادة 411 من التشريع الفرنسي الخاص بالضمان الاجتماعي الصادر بتاريخ 17 دجنبر 1985

(4) الفقرة هـ من المادة الخامسة من القانون رقم 79 بسنة 1975 المعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1977

(5) ذ عبد اللطيف خالفي – حوادث الشغل و الأمراض المهنية/ دراسة نظرية و تطبيقية في ضوء تعديلات ظهير 23 يوليوز 2002- ط الأولى 2003 – المطبعة و الوراقة الوطنية الداوديات مراكش – ص 44

(6) ذ. عبد اللطيف خالفي – م. س – ص 44 و ما يليها

(7) ذ محمد الكشبور / ذ بلعيد كرزمي – حوادث الشغل و الأمراض المهنية / المسؤولية و التعويض مع قراءة في القانونين 18.01 و 06.03 –  ط . الثانية مزيدة و منقحة- س  2004 – ص 65

(8) ذ محمد الكشبور – م س – ص69

(9) قرار منشور بنشرة قرارات محكمة النقض الغرفة الاجتماعية – ع . 25 –  سل 5  – مطبعة الأمنية الرباط – ص 99 و ما يليها.

(10) في ظل التشريع السابق لم يكن الأجير ليحصل على أية تعويضات نتيجة إصابته بمرض مهني إلا اذا أثبت توفر أركان المسؤولية التقصيرية وفقا للقواعد العامة.

(11) ينص الفصل الأول من ظهير 31 ماي 1943 على ما يلي ” تمتد القوانين التشريعية الخاصة بتعويض الأضرار الناجمة عن حوادث الخدمة إلى الأمراض المهنية، و ذلك كيفما كانت الطبقة التي تنتمي إليها المؤسسة، و كيفما كانت جنسية المؤاجر، و تستثنى من ذلك المقتضيات الخصوصية المشروحة بعده”

(12) قرار منشور بنشرة قرارات محكمة النقض/ الغرفة الاجتماعية –ع. 31  – سل 6  – مطبعة الأمنية الرباط – ص 104 و ما يليها.

(13) https://ww1.issa.int/ar/news/can-covid-19-be-considered-occupational-disease

(14) ذ.احلي محمد- تعويض الأجير المصاب بكورونا وفق التشريع المغربي- https://assabah.ma/466457.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

الحاج هشام البلغيتي ” ضحية مؤامرة “. إلى من يبكون مع الراعي ويأكلون مع الذئاب .

  متابعة : أحمد الشرفي تحرير : يونس واصيف هناك من يأكل مع الذئاب ويرقص …

اترك تعليقاً